الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

113

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ننشرهم عندما نشاء ممّا قدرنا أجله عند خلق العالم الأرضي . وتكون جملة : لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ تعليلا للردع ، أي الإنسان لم يستتم ما أجل اللّه لبقاء نوعه في هذا العالم من يوم تكوينه فلذلك لا ينشر الآن ، ويكون المراد بالأمر في قوله : ما أَمَرَهُ أمر التكوين ، أي لم يستتم ما صدر به أمر تكوينه حين قيل لآدم : وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ [ البقرة : 36 ] . ويجوز أن يكون زجرا عما أفاده قوله : لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ وقدمت كَلَّا في صدر الكلام الواردة لإبطاله للاهتمام بمبادرة الزجر . وتقدم الكلام في كَلَّا في سورة مريم وأحلت هنالك على ما هنا . و لَمَّا حرف نفي يدل على نفي الفعل في الماضي مثل ( لم ) ويزيد بالدلالة على استمرار النفي إلى وقت التكلم كقوله تعالى : وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ [ الحجرات : 14 ] . والمقصود أنه مستمر على عدم قضاء ما أمره اللّه مما دعاه إليه . والقضاء : فعل ما يجب على الإنسان كاملا لأن أصل القضاء مشتق من الإتمام فتضمن فعلا تاما ، أي لم يزل الإنسان الكافر معرضا عن الإيمان الذي أمره اللّه به ، وعن النظر في خلقه من نطفة ثم تطوره أطوارا إلى الموت قال تعالى : فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ [ الطارق : 5 ] ، وما أمره من التدبر في القرآن ودلائله ومن إعمال عقله في الاستدلال على وحدانية اللّه تعالى ونفي الشريك عنه . ومن الدلائل نظره في كيفية خلقه فإنها دلائل قائمة بذاته فاستحق الردع والزجر . والضمير المستتر في أَمَرَهُ عائد إلى ما عادت إليه الضمائر المستترة في ( خلقه ، وقدره ، ويسره ، وأماته ، وأقبره ، وأنشره ) . [ 24 - 32 ] [ سورة عبس ( 80 ) : الآيات 24 إلى 32 ] فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ ( 24 ) أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا ( 25 ) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا ( 26 ) فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا ( 27 ) وَعِنَباً وَقَضْباً ( 28 ) وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً ( 29 ) وَحَدائِقَ غُلْباً ( 30 ) وَفاكِهَةً وَأَبًّا ( 31 ) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ ( 32 ) إما مفرع على قوله : لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ [ عبس : 23 ] فيكون مما أمره اللّه به من النظر ، وإما على قوله : ما أَكْفَرَهُ [ عبس : 17 ] فيكون هذا النظر مما يبطل ويزيل شدة كفر